عبد الملك الجويني
212
نهاية المطلب في دراية المذهب
4591 - وبيان هذه المنازل من طريق التحقيق أن كل ما يقابل العوضَ المبذولَ في الشراء ، فالضمان فيه يستقر على المشتري إذا تحقق الفوات ، وما لا يقابله عوض الشراء ينقسم إلى ما يستوفيه المشتري ، وإلى ما يفوت في يده من غير استيفائه ، فأما ما يفوت من غير استيفاء ، وليس مقابلاً بالعوض ، فإذا غرِمه ، رجع به . والسَّبب فيه أنه لم يتلف مضموناً بالعقد لو قُدِّر العقدُ صحيحاً ؛ إذ المنافع ليست معقوداً عليها في شراء العين ، وكل ما لا يقابله عوض العقد لا يدخل في ضمان العقد . والذي يحقق ذلك أن من اشترى شيئاً شراء صحيحاً ، وانتفع به زمناً ، ثم اطلع على عيبٍ ورده ؛ فإنه لا يرد لمكان فوات المنافع شيئاً . وكل قبض لا يترتب على جهة ضمانٍ ، فلا يكون سبباً لقرار الضّمان ؛ فإن الغاصب إذا أودع شيئاً عند إنسانٍ ، فقبله المودَع ظاناً أنه مالك الوديعة ، وتلف في يده ؛ فإنه إذا ضمن ، لم يستقر الضمان عليه . بخلاف ما لو استعار من الغاصب على جهلٍ ، أو أخذ منه عيناً على سبيل السوم كذلك ؛ فإنه إذا تلف ( 1 ) في يده ، والجهة جهة ضمانٍ في وضعها ، فالضمان يستقر . وكل ما لا يقابل عوضاً في الشراء ، ولكن أتلفه المشتري ، واستوفاه ، فتخرّج المسألة على قولين . والسَّبب فيه أن الإتلاف مستَقَر الضمان في وضع الشرع ، ولكن البائع غرَّ المشتري ، لما سلطه على الانتفاع ، وإذا اجتمع الغرور ، وإتلاف المغرور ، فينتظم قولان : أحدهما - أن القرار على المتلِف ، وهو القياس . والثاني - أن القرار على الغارّ . وسيأتي أصل ذلك فيه ، إذا قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى إنسان ، وسلطه على أكله ، فأكله ظاناً أنه ملك المقدِّم ، فإذا غرِم قيمته للمالك ، ففي رجوعه بما غرم على الغار قولان ، سيأتي ذكرهما . فإن قيل : هلا طردتم هذا الخلاف في قيمة الولد المنفصل حياً حراً ؟ قلنا : [ إنّ ] ( 2 ) المغرور ليس ينتسب إلى حقيقة إتلافٍ في الولد ، فيقوى وقعُ الغرور فيه ؛ فإن سبب الحرية اغترار الواطىء الوالد ، ولكن موقع هذا الاغترار الغار .
--> ( 1 ) تلف : أي المأخوذ ، أو الشيء . وإلا فالفعل واجب التأنيث إذا عاد الضمير على قوله ( عيناً ) . ( 2 ) في الأصل : لأن .